
من: نظير مجلي | 08/12/2008
يعتقد نظير مجلي بأن وثائق "الرؤيا" لا تخدم أهداف الجمهور العربي في إسرائيل، وتعيد كتابة التأريخ وتهدد الجمهور اليهودي بغير حاجة. ويرى بأن الوثائق تدعم موقفا انعزاليا غير مقبول من السواد الأعظم من العرب في إسرائيل وتزيد النار الذي يتحلق حوله المتطرفون من الجانبين اشتعالا.
في الصورة: قسم من العمل الفني "جابر كوفي شوب" للفنان بري فريدلندر
حتى لو تنصلنا من إسرائيليتنا وأنكرناها وعاملناها بمزيد التهجم، لن نستطيع إلى ذلك سبيلا، لأنها ستطل من كل كلمة ننطق بها ومن كل رأي نعبر عنه، ومن أسلوبنا في الكلام والتفكير وأنماط العيش والسلوك والمواقف والعادات. حتى ذهنيتنا مختلفة. هي ليست ذهنية يهودية بالطبع، ولكنها ليست ذهنية عربية مألوفة.
تتعلق الهزة المناوبة التي تعصف حاليا بعرب إسرائيل بمحاولة قادتنا السياسيين ومجموعة كبيرة من المفكرين، ومن خلال أربع وثائق مختلفة، وضع تسور استراتيجي لمستقبلنا في هذه البلاد. وكما اعتدنا في السنوات الأخيرة، فقد سجلنا هدفا ذاتيا آخر. لا شك أن من حق قيادة عرب إسرائيل التفكير في مستقبل السكان العرب في الدولة والسعي للتأثير على السياسة الحكومية المتعلقة بها، فمن يفعل ذلك نيابة عنهم؟ هل هي الحكومة، أو الكنيست، أو مجلس الأمن القومي؟ أم هم أمثال ليبرمان؟!
النقاش يدور، إذاً، ليس حول مجرد فكرة وضع ونشر "وثائق" تتناول مستقبلنا، وإنما حول مضمونها. وإذا دار الجدل الحاد في البلاد كلها حول مضمون الوثائق، فإن جدلا أشد منه حدة يشتعل بين سكانها العرب، ولكن من المؤسف، بل من المستغرب أن الجدال الدائر في الشارع اليهودي كان له تأثير سلبي جدا على النقاش العربي الداخلي، وأن النقاش في الشارع العربي يؤثر سلبيا على الجدال الدائر في الإعلام اليهودي. لذلك يستحسن أن ينخرط كلا المعسكرين في بدء حوار يكون فيه دور إيجابي لعرب إسرائيل ويؤثر على عملية بناء مستقبل البلاد والدولة.
كيف يتم ذلك؟
لنبدأ بالتعريفات التي بلغ تجاهلها من الطرفين حدا بعيدا.

يشكل السكان العرب في إسرائيل جزءا لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية. إنه ليس إعلانا سياسيا ولا هو استعراض عضلات يستهدف تحدي دولة إسرائيل، وإنما حقيقة تأريخية. وليس صدفة يطلق علينا "عرب إسرائيل"، فحتى الذين يفضلون تسميتنا بكلمة "عربوشيم" البذيئة، يعنون أننا عرب. لن تجدوا عائلة عربية إسرائيلية، بما في ذلك عائلة كاتب هذه السطور، ليس لديها أقرباء بين الفلسطينيين سكان مخيمات اللاجئين من اليمن إلى تونس، أو أماكن أخرى في الشتات.
بينما يحرض اليمينيون ضدنا ويشككون في ولائنا، يقف أحد زعمائنا ليعلن تأييده لحزب الله في الحرب، والعكس بالعكس، فكلما أقدم أحد زعمائنا على تحريضنا بسبب السياسة العنصرية المتبعة في حقنا، كلما اطل زعيم إسرائيلي يهودي، وقد يكون وزيرا أو عضو كنيست أو مسؤولا كبيرا، ليطلق تصريحا عنصريا يستهدفنا، وبالتالي لا مجال من مجالات حياتنا لا يظهر فيه هذا التعاون القائم بين القادة الذين لا يحسبون لكلامهم حسابا.
لذلك، عندما نتحدث عن "الشعب العربي الفلسطيني" نعني شعبنا. لا يسعنا إلا أن نحب شعبنا ولا يسعنا إلى أن نتمنى له كل خير، ومن أكثر قدرة على فهم ذلك من اليهود باعتبارهم أكثر شعب لحمة في أسرة الشعوب. مثلما يتضامن يهود العالم قاطبة مع إسرائيل، سنتضامن نحن مع شعبنا ودولته فلسطين العتيدة، ونأمل له النجاح في كفاحه العادل من أجل الحرية والتحرر من الاحتلال ومن أجل الاستقلال والسيادة والازدهار الاقتصادي والاجتماعي. إننا غاضبون إلى أبعد الحدود على ما ترتكبه إسرائيل دولتنا بحق شعبنا. لقد عانى الشعب الفلسطيني ما فيه الكفاية خلال القرن الأخير وهو يستحق الحياة بسلام وأمان، وليتنا نستطيع التبرع للدولة الفلسطينية العتيدة كما يتبرع اليهود في كل مكان لدولة إسرائيل.
ولكن لا يُنظر إلى انتمائنا هذا للشعب الفلسطيني على أنه يأتي على حساب إسرائيليتنا، ناهيك عن أنه يحل محل انتمائنا إلى دولة إسرائيل، فنحن جزء لا يتجزأ من الدولة، ويكاد يكون أي شيء يفيدها يفيدنا نحن، بدءا بالطقس وانتهاء بالأوضاع الاقتصادية والأمنية أو بمستوى الدراسة أو بالمنجزات التكنولوجية. تهمنا الديمقراطية في إسرائيل، وإن كانت ليست مكتملة فيما يرتبط بالعرب في إسرائيل. إن حرية التعبير وحرية الممارسة وحرية التنظيم السياسي وكافة أشكال الحرية عزيزة علينا ولن نبادلها بأي شيء كان.
للحق يقال إن مدى ما يتحمله الجمهور اليهودي من مسؤولية عن أعمال قادته مطابق تقريبا لما نتحمله نحن الفلسطينيين من مسؤولية عن قرارات وأعمال قادتنا، وأقصد هنا القادة القدامى الذين قرروا رفض مشروع التقسيم عام 1947 والقادة الذين يسوقوننا اليوم على طريق الانعزال وسياسة تدعم دعاة الترانسفير من بين اليهود في دولة إسرائيل.
وأضيف حالا أن كل سوء يصيب الدولة يصيبنا نحن أيضا، وقد جسدت ذلك حرب لبنان الأخيرة بأوضح وأقسى ما يمكن، حين سقطت مئات الصواريخ التي أطلقه حزب الله على القرى العربية مسقطة الضحايا. وفي العمليات الإرهابية أيضا يسقط العديد من العرب بين قتيل وجريح. أما الأزمة الاقتصادية فتصيب عرب إسرائيل أكثر من إصابتها لليهود، وإذا أصيبت البلاد بالقحط معاذ الله، لن يفلت منه المزارعون العرب.
هكذا نجد أنفسنا جزءا من الشعب العربي الفلسطيني وجزءا من دولة إسرائيل، حيث تكمن مصلحتنا في السلام والأمن والازدهار للطرفين.
من يرغب فينا؟
من أشد المشاكل في تأريخنا خطورة، نحن عرب إسرائيل، أن الطرفين، شعبنا من جهة ودولتنا من جهة ثانية وبشكل أخطر، قد أدارا لنا ظهريهما منذ عشرات السنين ولا يزالان. لقد أقاما أسوارا من الغربة بيننا، حيث لم يدرك شعبنا أن بقاءنا في البلاد كان أسلم شيء قمنا به منذ الأزل، بل اعتبرَنا بعضُه خونة. ومع أنهم لحظة وعيهم بمغزى موقفنا غيروا نظرتهم تغييرا شاملا، لنصبح "أبطال" العالم العربي. ولكن "البطولة" لها ثمنها، كما هو معروف. فبادئ ذي بدء امتدحوا كل عمل قمنا به، ثم لم يحبوا كوننا متميزين، فحتى لو تنصلنا من إسرائيليتنا وأنكرناها وعاملناها بمزيد التهجم، لن نستطيع إلى ذلك سبيلا، لأنها ستطل من كل كلمة ننطق بها ومن كل رأي نعبر عنه، ومن أسلوبنا في الكلام والتفكير وأنماط العيش والسلوك والمواقف والعادات. حتى ذهنيتنا مختلفة. هي ليست ذهنية يهودية بالطبع، ولكنها ليست ذهنية عربية مألوفة. وعموما، لم يحب العرب التغيير الذي خضعنا له. أسمانا البعض "يهود العرب"، سلبا أو إيجابا، وهم حتى يومنا هذا لا يخفون نفورهم من أسلوب الحياة الذي اخترناه. كانت ثمة محاولات – من جانب عزمي بشارة مثلا - لإعادتنا إلى "جذورنا"، أي إلى القومية العربية، ويسعى آخرون للاقتراب بنا من الأصولية الإسلامية. أما القادة الجدد الضعاف والمتخاصمون للحركة الشيوعية الاشتراكية، فوجدوا أنفسهم يناورون بين التيارين وينجرفون وراء كليهما، ما أسفر عن طمس هويتهم الأصلية.
إن الجمهور اليهودي الذي ما زال يعيش فظاعات اضطهاد اليهود خلال ألفي سنة أمضاها اليهود في المنفى في أوروبا والتي بلغت أشدها في محرقة يهود أوروبا في النصل الأول من القرن العشرين، يمثل أقوى حليف محتمل لنا في الكفاح ضد التمييز ومن أجل المساواة، لذا علينا التفكير في كيفية التواصل معه وإقناعه، ولكننا في هذه الأثناء نزيد هذا الجمهور خوفا فوق مخاوفه القائمة، مما يحتم علينا مراجعة أنفسنا وفحص مسيرتنا.
وفي الوقت نفسه لم تفوت دولة إسرائيل فرصة إلى وانتهزتها لتظهر لمواطنيها العرب أنهم غير مرغوب فيهم. فقد فرضت علينا الحكومة بعد قيام الدولة حكما عسكريا اتخذ قراراتنا نيابة عنا في كل شاردة وواردة، في حين عاملنا الشاباك وكأننا إلى الأبد مشكوك فيها. وتميزت السياسة المنتهجة نحونا بالتفرقة العنصرية المتعمدة، بحيث أننا على كوننا نمثل 17 في المئة من السكان، تبلغ نسبة الفقر بيننا 55 في المئة، ونسبة البطالة 35%، أما نسبة الثقافة الجامعية فتبلغ 10%. إن مدننا وقرانا مهملة وميزانيات سلطاتنا المحلية هزيلة. أما التربية فمصابة بأضرار والزراعة منهارة والصناعة لا وجود لها أصلا، والهاي تك لا يجرؤ أحد حتى الحديث عنه. والكل يعتبرنا مواطنين من الدرجة الثانية، حيث ما زال نحو ربع سكان إسرائيل العرب يعيشون إلى يومنا هذا كلاجئين في دولة تظل تصادر أراضينا.
وقد تسللت هذه السياسة في وعي الجمهور اليهودي العريض، وهو ما ينعكس في استطلاعات الرأي، حيث يؤيد معظم اليهود "إقناع عرب إسرائيل بالهجرة من البلاد"، بينما يؤيد جزء كبير منه حرمان الجمهور العربي من حقوق المواطنة الأساسية، مثل حق الانتخاب والترشيح للكنيست. وتفيد آخر الاستطلاعات بأن الأجيال الناشئة من اليهود لها موقف سلبي للغاية من العرب، حيث تعتبر بأن العربي "لا يقول الحقيقة وغير نظيف وغير ذكي" وما إلى ذلك.
وإن لم يكف ذلك كله، فإن جميع الجهات التي تنكّل بنا، أي قيادة دولة إسرائيل وبعض القادة العرب خارج البلاد، بل وقادتنا نحن أيضا، يتقاسمون المغانم.
كيف يمكن ذلك؟
بينما يحرض اليمينيون ضدنا ويشككون في ولائنا، يقف أحد زعمائنا ليعلن تأييده لحزب الله في الحرب، والعكس بالعكس، فكلما أقدم أحد زعمائنا على تحريضنا بسبب السياسة العنصرية المتبعة في حقنا، كلما اطل زعيم إسرائيلي يهودي، وقد يكون وزيرا أو عضو كنيست أو مسؤولا كبيرا، ليطلق تصريحا عنصريا يستهدفنا، وبالتالي لا مجال من مجالات حياتنا لا يظهر فيه هذا التعاون القائم بين القادة الذين لا يحسبون لكلامهم حسابا. وحدهم المجرمون والعائلات الإجرامية قادرون على مزاحمة الساسة في كل ما يتعلق بمثل هذا التعاون العربي اليهودي.
المعارك الخفية حول الصلاحيات
إن صياغة الوثائق لها تأريخ يجدر التوقف عنده. لقد بدأ الأمر بمحاولة مخلصة للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية لبلورة صيغة متفق عليها لدستور لدولة إسرائيل, وقد أدرك مبادرو المشروع في الحال أنه لا يمكن الحديث عن دستور بدون العرب الإسرائيليين، أو بتعبير أحدهم "إن عرب إسرائيل ليسوا معنيين وحسب باعتبارهم مواطنين في الدولة، وإنما هم الاختبار الحقيقي للديمقراطية الإسرائيلية"، بمعنى أنه إن لم يضمن لهم الدستور المستقبلي كامل المساواة في المجالات كافة وبدون قيد أو شرط، فلن تكون ديمقراطية بحال من الأحوال.
لم يوافق المندوبون العرب الذين شاركوا في المباحثات على بعض المطالب الأساسية لليهود، مثل تعريف إسرائيل بـ"الدولة الديمقراطية اليهودية"، والذي أرادوا تبديله بـ"الدولة الديمقراطية، كما رفضوا النص الذي وعد ب"كامل المساواة" لجميع مواطني الدولة، وعرضوا تعويضه بتعريف "دولة كل مواطنيها. أما تعبير "دمج عرب إسرائيل في الدولة والمجتمع" فطالبوا بمبادلته بـ"الاعتراف بعرب إسرائيل أقلية قومية".
ولم تقبل الأغلبية اليهودية بمواقف المندوبين العرب، فتوقفت المباحثات. وقد قدم عوزي بنزيمان الذي قام بتوثيق الحوار ملخصات للمداولات جمعها في كتاب يحمل العنوان الاستفزازي "لمن هذه البلاد؟ - حملة لوضع ميثاق يهودي عربي في إسرائيل" (المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2006)، فاستجاب العرب للتحدي، وقرروا تقديم "رد مناسب"، لتبدأ المناقشات والمداولات في شتى الأطر. ومثل "حروب اليهود" كان لنا حروبنا والتي لم يكن جوهر الصياغات هو الداعي الوحيد لنشوبها.
إن السؤال الأول الذي يتبادر إلى الأذهان هو: إذا كان الهدف من نشر الوثائق هو "الرؤية الاستراتيجية لمستقبل المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل"، وإذا كان جميع المؤلفين يتشاركون في تلك "الرؤية"، فما الحاجة إلى أربع وثائق بدل وثيقة واحدة لا غير؟!
لا سيما وأن التدقيق في أسماء الموقعين يظهر أن بعضها واردة في أكثر من وثيقة.
سبب تعدد الوثائق كامن، إذن، في المعارك الخفية على السلطة بين مختلف الجهات، ما يدل إلى أي مدى نحن جادون في مناقضة مصيرنا...
ولكن ليس هذا هو المهم، فالشخصيات الكريمة التي عملت على إعداد الوثائق هي في معظمها من الأشخاص الجادين، ولقد بذلوا مجهودا كبيرا وتمعنوا في دراسة الأمور من جميع جوانبها وقالوا الكثير من الكلام المهم وتبنوا الكثير من المواقف الشجاعة، وقد قبل جميعهم بدون استثناء بمبدأ "الدولتين لشعبين" كحل للنزاع، ولم يطعن أحد منهم في حق دولة إسرائيل في العيش بسلام وأمان، بل وتحدثت الوثيقة الأخيرة المسماة بوثيقة حيفا عن الاعتراف بإسرائيل كتعبير عن حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، لطمأنة اليهود الذين أثار مخاوفهم رفض القبول بدولة إسرائيل كـ"دولة يهودية ديمقراطية"، كما وتضمنت تعاطفا صريحا مع المعاناة اليهودية في أوروبا ومع الشعب اليهودي كضحية الهولوكوست، بالإضافة إلى تأكيدها على الشراكة القائمة بين الشعبين في هذه البلاد.
تجدر الإشارة إلى أن هذه المواقف حملت الحركة الإسلامية على عدم توقيع الوثائق، كما تبرأ منها حزب بلد (التجمع الوطني الديمقراطي). وحده حاداش (الحزب الشيوعي الإسرائيلي والأوساط الشعبية المحيطة به) أيدتها مع بعض تحفظات لأعضاء الحزب من اليهود. وعند مناقشة الصيغة النهائية للوثائق تخلى حاداش عن عدد من المصطلحات والقيم التي تضمنها تأريخها الشيوعي لصاح باقي تيارات القومية العربية، وذلك لضمان أقصى حد من الوحدة. ولكن هذه التنازلات لم يرض بها التيار القومي ولا التيار الإسلامي واللذين أوغلا في تطرفهما في أعقاب الفشل الإسرائيلي في حرب لبنان فتراجعا عن تفاهمات كان قد تم التوصل إليها مع مندوبيهما في اللجنة التوجيهية والذين رافقوا عملية وضع الوثائق.
هذا هو منشأ المعارضة الشديدة التي تم التعبير عنها ضمن الوثائق لمفهوم "الدولة اليهودية الديمقراطية"، وعلى هذه الخلفية جاءت المطالبة بأن تعترف إسرائيل بمسؤوليتها عن مشكلة اللاجئين وإحداث النكبة الفلسطينية، وهو أيضا منشأ المديح الذي كالته الوثائق لأحداث أكتوبر 2000 (والتي سميت بـ"يوم القدس")، ومصدر المطالبة بالاعتراف بعرب إسرائيل "أقلية قومية" لها الحق في "الاستقلالية الثقافية".
الفارق بيننا وبين منظمة التحرير الفلسطينية
أحد الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها واضعو الوثائق، رغم حسن نواياهم، هي التجاهل التام للظروف التي يعيشها عرب إسرائيل. لقد كتبوا كلامهم وكأننا نعيش في سويسرا ولا نزاع ولا إراقة للدماء ولا حرب.
تجعلك اللهجة التي صيغ بها النص وبعض المطالب التي تضمنها تعتقد بأنها وثائق لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي المنظمة التي كافحت من أجل التحرير الوطني الفلسطيني. لقد تضمنت أحدى الوثائق الأربع ("التصور المستقبلي" للجنة المتابعة) المطالبة بـ"الاعتراف بإحداث مشكلة اللاجئين" و"الاعتراف بالنكبة"، كما وحق إنشاء "علاقات مع العالم العربي والإسلامي". وفي ذلك يجوز التساؤل: ماذا سنتركه لمفاوضي منظمة التحرير الفلسطينية؟
أجل. نحن نحب شعبنا ونريد حلا سلميا حقيقيا يضع حدا لجميع المشاكل في المنطقة، بما فيها مشكلة اللاجئين وإصلاح ظلم النكبة، ولكن التفاوض حول ذلك من اختصاص منظمة التحرير الفلسطينية، التي لا نسعى للحلول محلها، وسنقبل بأي اتفاق يوقعه مندوبو منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية.
كما أن واضعي الوثائق يبيحون لأنفسهم إعادة كتابة التأريخ، إذ يدعون، إن كان جهلا أو بقصد التضليل، بأن "الجنسية الإسرائيلية قد فرضت علينا"، علما بأن ذلك بكل بساطة مخالف لما جرى في الواقع. إننا نحن عرب إسرائيل الذين كافحنا وخرجنا إلى الشوارع للحصول على الجنسية. وكانت حكومة إسرائيل الأولى برئاسة دافيد بن غوريون، وبتعليمات من الشاباك (الذي كان آنذاك يسمى بـ"شين بيت" وقيادة الحكم العسكري، هي التي أرادت التهرب من التزامها نحونا ومعاملتنا على أننا مقيمون، ولهذا السبب لم تعطنا بطاقات هوية زرقاء ولا جوازات سفر. وقد عمت المظاهرات التي نظمها قادتنا في ذاك الزمان ومعظمهم من الحزب الشيوعي الإسرائيلي "ماكي" جميع القرى والمدن، وكان الشعار الصرخة الذي ردده المتظاهرون "لا للبطاقات الحمراء". وكان المحامي حنا نقارة يمثل في حينه أمام المحاكم عشرات المواطنين العرب الذين طالبوا بحقهم في الحصول على الجنسية، وقد أفهمت المحكمة النيابة العامة بأنها إذا لم تتراجع عن موقفها، سيضطر إلى الحكم للمدعين العرب، ما أدى إلى تغيير قرار الحكومة. فالجنسية الإسرائيلية لم تفرض علينا فرضا، بل أخذناها راضين، بل بعد كفاح خضناه!
وهنا علينا طرح السؤال التالي: إذا كانت الجنسية قد فرضت علينا حقا، فما رأيكم في أن نناضل من أجل التخلي عنها؟ هل بين الأفاضل الذين وضعوا تلك الوثائق أو وقعوا عليها من هو على استعداد للتنازل عن الجنسية الإسرائيلية؟!
الجمهور اليهودي رصيدا
إن المشكلة الأساسية التي تعاني منها الوثائق تكمن في أنها لم تأخذ الجمهور اليهودي في إسرائيل في الحسبان. من السهل إطلاق المقولات مثل "الجمهور اليهودي لا يهتم بي، إذاً أنا أيضا لا أخاطبه"، بل أسهل من ذلك اتهام الجمهور اليهودي في إسرائيل بكامل معاناة المواطنين العرب وبسياسة التمييز المطبقة ضدهم بعلم وتأييد منه، ولكن للحق يقال إن مدى ما يتحمله الجمهور اليهودي من مسؤولية عن أعمال قادته مطابق تقريبا لما نتحمله نحن الفلسطينيين من مسؤولية عن قرارات وأعمال قادتنا، وأقصد هنا القادة القدامى الذين قرروا رفض مشروع التقسيم عام 1947 والقادة الذين يسوقوننا اليوم على طريق الانعزال وسياسة تدعم دعاة الترانسفير من بين اليهود في دولة إسرائيل.
علينا أن ننظر إلى الجمهور اليهودي في الدولة لا كمسؤول عن سياسة الحكومة التمييزية وحسب، بل علينا أن نعتبره أيضا رصيدا لنا في النضال من أجل الدولة السليمة في إسرائيل. إن الجمهور اليهودي الذي ما زال يعيش فظاعات اضطهاد اليهود خلال ألفي سنة أمضاها اليهود في المنفى في أوروبا والتي بلغت أشدها في محرقة يهود أوروبا في النصل الأول من القرن العشرين، يمثل أقوى حليف محتمل لنا في الكفاح ضد التمييز ومن أجل المساواة، لذا علينا التفكير في كيفية التواصل معه وإقناعه، ولكننا في هذه الأثناء نزيد هذا الجمهور خوفا فوق مخاوفه القائمة، مما يحتم علينا مراجعة أنفسنا وفحص مسيرتنا.
علينا توجيه أنظارنا إلى الجمهور اليهودي الذي يدعم معظمه حل "الدولتين لشعبين" ويعتبر دولة إسرائيل دولة الشعب اليهودي التي ستعيش إلى جانب دولة فلسطين، وتمثل الدولة اليهودية بالنسبة له حق الشعب اليهودي في تقرير المصير بنفس ما تمثل دولة فلسطين حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهو بالمناسبة ما وافق عليه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وليس بدافع الخنوع أو خيانة قضية الشعب الفلسطيني.
يتوجب علينا فهم أننا حين نعلن للجمهور اليهودي في إسرائيل أن أهدافنا تتمثل في "اعتراف الدولة (إسرائيل) بالعرب الفلسطينيين في إسرائيل كمجموعة قومية أصلية (وأقلية حسب التعريفات المتداولة في المواثيق الدولية) لها الحق في إطار الدولة في اختيار ممثليها مباشرة... وفي إقامة مؤسساتها الوطنية في مختلف مناحي الحياة"، أو حين نطالب بـ"اعتراف إسرائيل بحق العرب الفلسطينيين في إسرائيل في التواصل القومي والديني والثقافي والاجتماعي مع بقية أجزاء الشعب الفلسطيني ومع جميع مركبات الأمتين العربية والإسلامية"، فإن هذا الكلام يفهمه الجمهور اليهودي في إسرائيل على أنه نوع من التواصل مع أعداء الدولة، فمن الممكن تفهم رغبتنا في "التواصل مع الشعب الفلسطيني"، ولكن ما القصد من عبارة ""التواصل القومي... مع جميع مركبات الأمتين العربية والإسلامية"؟ إن مثل هذه الصياغات تثير الخوف عند العديد من العرب في إسرائيل وسائر دول المنطقة، فما بالك بكيفية نظر اليهودي الإسرائيلي إليها؟! وماذا عن غير ذلك من مركبات سيئة؟
إن مثل هذا الخطاب لا يبعد عنا الجمهور اليهودي فحسب، بل سيسقطنا في أيدي المتطرفين اليهود الذين يسعون على مر السنين إقناع الأغلبية اليهودية بأن "عرب إسرائيل سيلتحقون بألد أعداء إسرائيل في أول فرصة تسنح لهم"، والطريق من هنا غير بعيد عن المفهوم القائل بأنه "إن كان مستحيلا العيش بسلام وأمان مع سكان الناصرة وأم الفحم وراهط، فكيف تريدوننا أن نعيش بسلام مع شرقي القدس وجنين وغزة؟!"
إن مثل هذا الخطاب لا يضر بنا نحن ووطننا وحسب، بل يضر الكفاح العادل لشعبنا الفلسطيني من أجل السلام والأمن الذي هو في أمسّ الحاجة إليهما. ولا يحق لنا بحال من الأحوال أن نفعل ذلك بشعبنا.
الانعزالية
تبرز الوثائق الأربع الحقوق القومية الجماعية لعرب إسرائيل، وهو أمر يبدو جميلا في الظاهر، لا سيما أن الحديث في هذا المطلب يدور حول التربية العربية واللغة العربية، ولكن حين يتم التعمق في النص يتضح أن الهدف هو الانعزال عن دولة إسرائيل: "ضمان الإدارة الذاتية للعرب الفلسطينيين في مجال التربية والتعليم والدين والثقافة والإعلام والاعتراف بحقهم في تقرير المصير فيما يتعلق بشؤون حياتهم ذات الخاصية الجماعية، وذلك بما يكمل شراكتهم في المنفسح والفضاء العامين في الدولة". ويعلن واضعو الوثائق في موضع آخر إنه يجب ضمان أن يستطيع عرب إسرائيل "تفعيل حق الفيتو في القضايا المتعلقة بهم"، وهو ما يحوّل المطالبة بـ"الاستقلالية الثقافية" إلى تغطية لمطلب آخر، أي استقلالية أوسع.
إنه الانعزال الظاهر الذي قد يكون مشروعا في نظر الأقليات القومية وقد يكون مناسبا للنرويج أو حتى لإقليم كشمير، ولكنه هنا في هذه البلاد التي يدور فيها أطول نزاع في العصر الحديث من تأريخ البشر، ليس بغير المناسب فقط، وإنما هو مضر.
هل تساءل المؤلفون عن نموذج النظام التي نتبعه في إدارة شؤوننا بأنفسنا؟ هل سيكون هو أيضا نموذج "شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية"؟! أم هو نموذج لجنة المتابعة لعرب إسرائيل التي يبحث السياسيون اليوم أيضا عن طريق للاعتداء عليها، بل لتفتيتها؟ هل يعتقدون بأن الانعزالية ستنفع عرب إسرائيل في كفاحهم؟ ألا تفضي بنا إلى إقناع الجمهور اليهودي بوجوب مواصلة الفصل، كإقامة جدار آخر على سبيل المثال؟ ألا تفضي بنا إلى إيجاد إغراء آخر لقوى الترانسفير؟!
ويهمنا أن نتساءل أيضا عن موقف أعضاء حاداش، وهو الحزب الحريص دائما على توكيد كونه الحزب العربي اليهودي الوحيد في إسرائيل. لقد كان جانب ملموس من أعضاء حاداش وأصدقائها من المبادرين والمشاركين في وضع الوثائق، فما الذي يربط بين هذه الوثائق والحملة الانتخابية النبيلة والحكيمة والواقعية والوطنية حقا التي كان الحزب قد قام بها؟
بل يهمنا أكثر التساؤل عن موقف الجمهور العربي في إسرائيل؟ هل هو من أنصار الانعزالية؟ هل يريد أن يعيش مستقبلا في غيتو عربي داخل الدولة، ولو كان مجرد "غيتو ثقافي" ؟ هل نريد ذلك نحن؟ لماذا يريدون في عصر العولمة والانفتاح إعادتنا إلى الوراء وإلى نوع من الانغلاق والعزلة؟! فطريق الانعزال طريق بلا نهاية، ولو سلكناها، اضطررنا إلى تساؤل عن داعي الدراسة مع بعضنا والعمل مع بعضنا والسكن مع بعضنا واستخدام نفس الطرق ونفس سيارات الأجرة والقطارات؟
إن طريق الانعزال لن يكون لها نهاية، وهو أمر يستوجب الإنذار.
إن وثائق "الرؤيا المستقبلية" لا تمثل عرب إسرائيل والذين من شأنهم اتباع الانعزال عن الانعزاليين لتزداد الهوة اتساعا بين السكان العرب وقيادتهم.
وفي مقابل ذلك، وهو أكثر شيء يدعو إلى الأسف، يظهر أن الجمهور اليهودي يعتقد بأنها حقا تمثل الجمهور العريض لعرب إسرائيل، وهو ما جعل مضمون الوثائق يثير رد فعل عنيف في الوسط اليهودي والذي يثير رد فعل عربيا متطرفا وهكذا دواليك. وقد سبق أن قلنا إن الشارع العربي والشارع اليهودي يغذيان بعضهما البعض.












