
من: الطيب غنايم - مقابلة مع جعفر فرح | 08/12/2008
"المطلوب من الإسرائيليون اليهود اتخاذ قرار: هل تريدون العيش في الشرق الأوسط العربي، أم في أوروبا؟ فأوروبا فيها أوروبيون، أما الشرق الأوسط ففيه عرب". يعتقد جعفر فرح، رئيس مركز "مساواة" لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، بأن مشروع "الدستور المتساوي" الذي خرج به المركز الذي يترأسه هو بمثابة رد المجتمع العربي في إسرائيل على "ميثاق طبريا" ومشروع "دستور بالتوافق" للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية
في أعقاب اتفاقيات أوسلو التي بينت إلى حد ما نوع الحل التأريخي الذي يلوح في الأفق، نشأت حاجة لتحديد وضع المجتمع الفلسطيني في إسرائيل لنعرف أين نحن ومن نحن وما وضعنا شعبيا وقانونيا وإقليميا؟ فالشباب على سبيل المثال يتساءلون: إذا كنت فلسطينيا، فإلى ما ذا ترمز فلسطينيتي بالنسبة لي؟ وما معنى ذلك؟ أما إذا كنت إسرائيليا أحمل بطاقة هوية إسرائيلية، فما علاقتي بالدولة اليهودية؟
"متلازمة بابوشكا" – بهذه العبارة وصف أنطون شماس بصورة شعرية مؤثرة نظرة دولة إسرائيل إلى مواطنيها العرب الفلسطينيين. وقد استحدث هذا التعبير في مقال بحثي نشره في عدد فبراير-مارس (شباط-آذار) لعام 1986 من دورية "بوليتيكا"، حيث قال: "إسرائيل، إذن، مثلها مثل البابوشكا (دمية فلكلورية روسية تجسد امرأة عجوزا وتحتوي على دمية أصغر منها تحتوي بدورها على دمية أصغر منها وهكذا) التي تدعي بأنها امرأة حامل. إنها مقتنعة بأنها متى حان الوقت ستسلم الجنين غير الشرعي التي تحمله (والذي بلغ الآن 17 في المئة من مجموع حجمها) إلى أهل من اغتصبها سنة 1948. وإذا كانت تحمل الجنين في أحشائها يربطها به الحبل السري، إلا أنه سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه أهل اللقيط المقيمون وراء الحدود إعاشته.
"غير أن دولة إسرائيل حامل فعلا، مع أنها ليست امرأة حاملا. والبابوشكا الحامل لا تضع جنينها خارجها أبدأ، بل في داخلها. وإن العرب الذين تخلفوا هنا في سنة 48 (وهو أكثر أخطاء الصهيونية مصيرية) يبلغون حجم بابوشكا دولة إسرائيل ، وهم صورة طبق الأصل لها، ويأبون الانتقال إلى بطن بابوشكا أخرى، مهما بلغت من النعومة والدفء. نأسف لذلك، ولكن يبدو أن البابوشكا الأم لا تملك العديد من الخيارات، فهي دولتنا أكثر منها دولة يهود بلدة راندولف بولاية ماساتشوستس".
إنني أجيد قراءة وكتابة ثلاث لغات، هي العربية والعبرية والإنجليزية. على اليهود أن يتعلموا كيف يتعايشون مع البيئة. إذا كان اليهود اليوم ينوون "التخلص" من عرب المنطقة، فإنهم لن يعيشوا يوما في منطقة طبيعية... ما المساحة التي تمتد عليها دولة إسرائيل؟ حوالي ربع مساحة الأردن... نحن "الداخل" من المنطقة العربية، وإذا فشلوا في تكوين علاقة طبيعية معنا، فكيف يكونون علاقة طبيعية مع العالم العربي؟
بعد المقابلتين اللتين أجريتهما مع اثنين من أهم الشركاء في وضع التصور المستقبلي الذي صدر عن اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية العربية في إسرائيل ، تبين لي أن كلام شماس ما زال ساريا، فالتشبيه الهازئ الوظيفي هو في الواقع رمز للفترة المرحلية التي ما زالت تملي علينا وتيرة الحياة المعقدة. فلدينا العديد من التواريخ والأحداث التي يمكن النظر إليها على أنها نقطة تحول والعديد من التجارب والحروب والمستويات الرمزية مثل اللغة أو الموسيقى، كما والتجربة الصدامية التي نشهد من خلالها الحبل الدقيق المعرض دائما لتهديد التمزق منذ نحو ستين عاما من الاحتكاك بين الفلسطينيين والإسرائيليين والصهيونيين واليهود.
كان مفروضا أن يكون عام 2006 هو عام التحول، فبعد 59 سنة على النكبة، وحين يجد الخطاب ما بعد الاستعماري طريقه إلى داخل التيار المركزي، نحظى أخيرا بمبادرة جدية جديدة للجنة تحمل الصفة التمثيلية، وهي خطوة نحو بلورة الهوية ومحاولة متواصلة لبحث وبلوغ نوع من الإعلان الرسمي الذي يعرض أهم النقاط المرتبطة بحقوق الأقلية. ولقد أخذ العرب الفلسطينيون الذين أصبحوا مواطنين إسرائيليين في أعقاب حرب العام 1948 على عواتقهم هذه المبادرة لنيل حقوق مدنية متساوية وبلوغ المساواة بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي.
إلى أين تتجه هذه الأقلية؟ وماذا يمكنها فعله بعد رحلة مضنية امتدت لستين سنة من الانحباس داخل رؤى ووجهات نظر قديمة؟ لقد تغيرت المصطلحات وتطورت، وأصبح الوعي بقضية الحقوق أكثر رواجا وبلغ من القوة مداها، ولعل وعسى أن يكون في هذه الخطوة ما يردع حكم الأغلبية اليهودي قليلا عن مواصلة اتباع سياسة الحرمان والعنصرية.
من يرفض مقترحنا؟ فقط جهتان هما المعهد الإسرائيلي للديمقراطية واليمين الفاشي، وحدهما هاتان الجهتان ترفضان أن نقوم بمبادرة أو نقدم اقتراحا ما، ولهما في ذلك مؤيدون سذج... أما من يحتكم إلى الموضوعية والعقلانية فمفروض أن يتبنى موقف العرب، كونه موقفا منطقيا جدا
كيف نتوصل إلى حل عادل؟ متى سيحدث ذلك وبأي ثمن؟ هل نحن مقدمون على اندماج أم انعزال؟ على اقتصاد مزدهر أم تدهور مالي؟ وماذا عن الإيديولوجية الموالية للعرب؟ وماذا ستكون عليه ملامح هذا النزاع بعد بضع سنوات من الآن؟ هل تتمكن الوثائق التي وضعتها جماعة من الأكاديميين من تخليص الشعب الفلسطيني الذي يعيش في إسرائيل من معاناته المستمرة؟ هل تؤتي هذه المبادرة ثمارها؟ هل رأت الوثيقة النور وهي كاملة ناضجة، أم كان المفروض أن تصدر وهي أكثر تبلورا؟ وما الجديد فيها؟
يتولى جعفر فرح رئاسة مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل. وقد وجهنا إليه أولا وقبل كل شيء هذا السؤال الذي يطرح نفسه:

ما الهدف من الوثيقة؟
كما يعلم الجميع، فإن السيد شوقي الخطيب، رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل (وهو اتحاد يضم في صفوفه جميع السلطات المحلية والأحزاب العربية في دولة إسرائيل - أ. غ.) بادر إلى وضع تصور جماعي يكون نتاج مباحثات مجموعات تتولى التفكير المعمق. وقد قامت المجموعة التي أنشأها بوضع ورقة موقف تكون بمثابة جسر لبدء نقاشات أخرى ضمن المجتمع العربي وأيضا ضمن نسيج المجتمع اليهودي الإسرائيلي.
يظهر أن ثمة من لا يدركون أن اليهود أنشئوا وطنا للمهاجرين على حساب شعب لحق به الدمار. إن الشعب الفلسطيني يقبل بتقاسم وطنه مع اليهود، ونحن اليوم في مرحلة التسوية التأريخية بين العالم العربي ككل والشعب الفلسطيني بخاصة، وبين اليهود... علما أن هذه المرحلة من التسوية التأريخية تستدعي اعتراف اليهود بالحقيقة
كان الهدف، ولا يزال، إنشاء مجموعة تفكير تناقش وضع مجتمع يمر بأزمة خطيرة، علما بأن آخر تجربة تاريخية تشبه إلى حد ما التجربة الحالية هو اجتماع قيادة الجمهور العربي سنة 1981، بمبادرة من الحزب الشيوعي، والذي أطلق عليه اسم "المؤتمر المحظور"، لكون مناحيم بيغين أمر بمقاطعة الاجتماع.
أما التطور الحالي، أي وضع وثيقة جادة وعلمية ومفصلة، فمردّه إلى الظروف الجديدة التي وجد المجتمع العربي نفسه محاطا بها، فمن ناحية، وفي أعقاب اتفاقيات أوسلو التي بينت إلى حد ما نوع الحل التأريخي الذي يلوح في الأفق، نشأت حاجة لتحديد وضع المجتمع الفلسطيني في إسرائيل لنعرف أين نحن ومن نحن وما وضعنا شعبيا وقانونيا وإقليميا؟ فالشباب على سبيل المثال يتساءلون: إذا كنت فلسطينيا، فإلى ما ذا ترمز فلسطينيتي بالنسبة لي؟ وما معنى ذلك؟ أما إذا كنت إسرائيليا أحمل بطاقة هوية إسرائيلية، فما علاقتي بالدولة اليهودية؟ إن ضرورة إيجاد حل لمشكلة الهوية يولّد مثل هذه المبادرات التي كان لها الفضل في إصدار الوثيقة.
يتحدث الاقتراح الذي تتضمنه الوثيقة الصادرة عن "مساواة" عن إدارة ذاتية للجهاز التعليمي والثقافي وإدارة ذاتية للأوقاف الإسلامية. أما بالنسبة لهم فالإدارة الذاتية تعني الكارثة. ولكن الإدارة على هذه الطريقة معمول بها في النظام الحريدي، وعليه فنحن لا نأتي بأي جديد. وثمة شيء آخر يهم الإشارة إليه وهو أن الأوقاف المسيحية يقوم على إدارتها المسيحيون، والأمر نفسه ينطبق على الدروز أيضا، علما بأن شؤون الديانة اليهودية يتم تسييرها هي الأخرى من خلال نظام للإدارة الذاتية، فيما بقيت الأوقاف الإسلامية هي الوحيدة التي تفتقر إلى أي سلطة إدارية
أما الناحية الثانية فتتمثل في المتغيرات التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي، فهذا المجتمع وضعه هش هو الآخر. لقد أسسوا مستقبلهم على المستوطنات، وهاهم فجأة أصبحوا يفككونها ليخلوها من سكانها! كان اليهود منذ عام 1967 وحتى عام 1993 يمرون بمرحلة الاستيطان وبناء الدولة اليهودية الكبرى، ولكن بعد 1993 تبخر الحلم.
في ال-13 عاما الأخيرة ذهبت إسرائيل لانتخابات جديدة بمعدل مرة كل سنتين، وقد قتل رئيس وزراء رميا بالرصاص، ودخل آخر في غيبوبة. وفي تلك الأثناء قامت مجموعات إسرائيلية تسعى لوضع دستور للدولة، مع العلم بأن وضع دستور يعني فيما يعنيه صوغ العلاقة بين الأغلبية والأقلية وأي مجموعة أخرى متورطة في النزاع، وذلك لعقود قادمة. أما نحن كعرب وكفلسطينيين فنعيش حقبة تأريخية حاسمة مصيرية يترتب علينا خلالها إعادة صوغ وبلورة وإيضاح مستقبل علاقاتنا كأقلية بالأغلبية اليهودية في الدولة، كما ومستقبل علاقتنا بالمنطقة العربية، ونحن نتوقع من قيادتنا أن تقود الشعب وترسم له الطريق.
علينا التحدث بصراحة وشفافية، وعلينا أن نصارح أنفسنا في المقام الأول. فمن يعتقد بأن نظام الحكم السوري نظام ديمقراطي ويطلب نظاما ديمقراطيا في إسرائيل يخدع نفسه، فسوريا ليست دولة ديمقراطية، والذين يغازلون سوريا من أبناء شعبنا يكونون قد وقعوا في حب نظام ينتهك حقوق الإنسان بشكل سافر. إن الأمر لا يتعلق الآن بأمن الدولة، وإنما بنوع العلاقة التي نريد تكوينها بالعالم العربي، فهل ستكون علاقة تقوم على النفاق؟ إذا كنت أطلب عدم التعرض لحقوق الإنسان في إسرائيل، فكيف لي أن أسلم بانتهاك حقوق الإنسان في سوريا؟
كانت دعوة شوقي خطيب لعقد ندوة اشترك فيها نحو 40 من المفكرين والأكاديميين العرب الفلسطينيين من مواطني دولة إسرائيل خطوة نحو بلورة التصور المستقبلي، ما يعني أن المبادرة تم اتخاذها نيابة عن لجنة المتابعة. وثمة من وافقها وآخرون لم يوافقوا. أما النتيجة فنحن نطرحها موضوعا للنقاش والجدل داخل المجتمع العربي، كما وداخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي، آملين في أن يؤتي النقاش حول ورقة الموقف أُكُله بعد سنة أو سنتين، علما بأن التحدي الذي يواجهنا اليوم هو تمكننا من إثارة نقاش عام بين العرب مواطني إسرائيل من مختلف التيارات، وهو التحدي الذي ينبغي أن يتمخض عنه اتفاق على تصور بعينه.
لماذا لا يتم نشر وثيقة واحدة تكون تناج عمل مشترك بين كل التيارات عوض إصدار أربع وثائق متقاربة جدا في روحها؟
تبذل في مجتمعنا مساع ومحاولات متنوعة وهو شيء مستحب، وثمة خلافات فيما بيننا ولنا مؤسسات مختلفة لكل منها رؤيتها. قبل سبع سنوات، وعندما قامت مجموعة من اليهود الإسرائيليين بوضع ما يسمى بميثاق طبريا، نسيت العرب وهي تضع الوثيقة. وقد طلبت منا يولي تامير في مرحلة متأخرة الانضمام إلى الميثاق فقلنا لهم: "لا، مشكورين!"، فتوجهوا إلى مؤسسات عربية تعمل في إسرائيل، منها مركز "مدى الكرمل" العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية في حيفا، فأعلن فريق المركز أنه سيضع "ميثاق حيفا" ولن ينضم إلى "ميثاق طبريا".
أما مركز مساواة فيركز اهتمامه على القضايا المتعلقة بسن القوانين في الكنيست، ولذلك يجب علينا الرد. وإذا كان وضع دستور لدولة إسرائيل واردا، فلا يسعنا الخروج بأنفسنا من الدائرة لنقول: "هذا لا يهمني" أو "ليس لي رد".
المفروض في الدولة العادية أن تخصص للجمهور العربي الأموال قائلة له: ما تحلم فيه قم بتحقيقه! إن الدول التي تشرك مواطنيها في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم تخصص الأموال لعملية التنفيذ، والدولة التي تسير على هذا النهج هي الدولة التي تحترم نفسها. أما دولة إسرائيل فلا تستثمر اليوم شيئا في وسطنا العربي
هل تعني أن الأقلية عليها واجب المشاركة السياسية؟ هل يقع على عاتقها واجب العمل بقوانين اللعبة الديمقراطية؟
كانت الظروف كالآتي: كان المعهد الإسرائيلي للديمقراطية ولجنة الدستور التابعة للكنيست منكبين منذ ثلاث سنوات على وضع الدستور، ولقد توجهوا إلى عضو الكنيست السابق عزمي بشارة بطلب أن يرئس اللجنة الفرعية لشؤون الدستور، وقد حضر بشارة جلستين، ثم توقف عن الحضور قائلا إن اليهود سيرفضون أي اقتراح يقدمه العرب، ولذلك "لا فائدة من تضييع لوقت هو في أمس الحاجة إليه". ثم توجهوا إلى كل من مركز "عدالة" ومركز "مدى الكرمل"، واللذين وجها بدورهما رسالة إلى لجنة الدستور رفضا فيه المشاركة في المباحثات. أما مركز مساواة فلا يستطيع تحمل مسؤولية تأريخية لوضع دستور لم يشارك فيه العرب. وبالنسبة إلى شخصي، فإنني أعمل في مؤسسة تستمد سلطتها ومصداقيتها من واقع تخصصها في حقوق الإنسان، في حين تقع الصلاحية السياسية في أيدي الأحزاب السياسية، وهو ما يقوم المواطنون العرب بالتصويت من أجله، والأمر يستدعي التمييز.
كان مركز مساواة من المؤسسات القلائل التي سلمت بعد تلقي دعوة شوقي الخطيب جميع الدراسات التي كانت قد أجرتها إلى لجنة المتابعة العليا. وعلى سبيل المثال، فإن د. يوسف جبارين، أستاذ الحقوق في جامعتي تل أبيب وحيفا ومستشار مركز مساواة ومؤلف وثيقة "دستور متساو للجميع؟"، قد كتب الفصل الذي يتناول الوضع الدستوري للمواطنين العرب والدستور المتساوي. وقد قدمنا دراسته في هذا الموضوع والذي تم إجراؤها في مركز مساواة إلى لجنة المتابعة، كما سلمناهم ذاك الجزء من التصور المنصب على البنية الهيكلية للمجتمع العربي والذي قمت أنا بوضعه كنتاج لعمل مطول. ونحن في الحقيقة نضع في تصرف لجنة المتابعة العليا منشوراتنا ودراساتنا، ولكننا مع ذلك لم نعلن أننا نؤمن فقط بقراراتنا نحن وبخططنا نحن، وستكون لجنة المتابعة هي صاحبة القرار في قبول أو رفض الأوراق التي قدمناها، فمشروع الدستور المتساوي، على سبيل المثال، والذي كان مركزنا هو صاحب المبادرة في وضعه، يمثل حوارا دار لأكثر من عامين ونصف، وقد عقدنا في هذا الإطار ثلاث ندوات تداولنا خلالها في المركز الدستوري للمواطنين العرب في دولة إسرائيل، وذلك بمشاركة مئات المحامين والقضاة. وقد وجهت الدعوة لمندوبي جميع الأحزاب السياسية تقريبا، بما فيها الحركة الإسلامية بفصائلها وحركة التجمع الوطني الديمقراطي وحركة حداش (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) وغيرهما من التيارات تولى تمثيلها جمال زحالقة ومحمد بركة وعباس زكور وعبد الملك دهامشة وغيرهم وهم كثر. وقد اشترك جميعهم في لقاءات عقدت ضمن مراحل شتى من إعداد "الدستور المتساوي" الذي وضعه الدكتور جبارين. وقد ناقشنا هذه الورقة مع جميع الأحزاب العربية.
لقد اعتبرت شرائح متعددة في المجتمع الإسرائيلي هذا التصور نوعا من إعلان المقاطعة أو الهجوم الشامل على الوسط اليهودي في إسرائيل. لماذا أثار التصور مثل هذه الضوضاء العارمة على الساحة السياسية؟
كانت هناك مجموعتان أساسيتان هاجمتا مبادرة التصور، أولاهما اليمين الإسرائيلي وجماعة ليبرمان وبيني ألون والتي تحاول دائما تشويه أية مبادرة تأتي من جهة الوسط العربي، ويروق لهم النظر إلى هذه المبادرة على أنها دليل على نية للعرب في إلقاء اليهود في البحر... ويحاولون تصوير أنفسهم ضحايا للعرب، رغم كون المبادرة تنصب على تحقيق المواطنة الكاملة. وثمة أيضا المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الذي لا ينظر إلى العرب إلا من وجهة نظره الخاصة، أي في سياق عملية وضع الدستور الإسرائيلي. ولكننا كمجتمع عربي قد رفضنا مشروعهم.
هل أننا تبنينا خطاب أحمدي نجاد؟ لا، فنحن نتفهم مأساة اليهود بعد النازية، ولماذا يجادل أحمدي نجاد أصلا؟ لماذا ينكر وقوع المحرقة؟ لماذا؟ هل أنت المسؤول عن إبادة اليهود؟ إنه غبي. ما دخلك في المحرقة؟ لماذا ينبغي على العرب والمسلمين إنكار المحرقة؟
ألم يكن هذا الرفض تفويتا لفرصة؟
لقد رفضنا المشروع لأن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يعرض علينا مركز المواطنة من الدرجة الثانية ضمن الدولة اليهودية، والحديث يدور عن دولة يهودية ديمقراطية تتقدم فيها اليهودية فعلا على الديمقراطية في سلم الأولويات، علما بأن مقترح المعهد الإسرائيلي للديمقراطية سيؤدي حتى بوضع اللغة العربية إلى التدهور من سيء إلى أسوأ مقارنة بالوضع القائم وبالقرارات الصادرة عن محكمة العدل العليا، فإذا كانت المحاكم قد حسّنت الأوضاع بعض الشيء وعلى استحياء، من منطلق النظرة العملية للأمور، فإن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يدعي حق توصيف وتقرير الوضع القانوني للمواطنين العرب في الدولة. إنني أرفض، مثلا، أن تملي علي روت غابيزون سياسة من المواطنة المشروطة، فما معنى معارضتها للكتابة بالعربية على اللافتات في الشوارع العامة؟ إنه من غير المقبول أن نودع مستقبلنا عند قاضية تريد التعين في المحكمة العليا على حساب العرب.
ألم تفكروا في خوض نقاش معهم بدل المعارضة المطلقة؟
إن وثيقة "مساواة" تتناول بالنقاش مقترحات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ولكن التحدي ليس كامنا في قول ما لا نريده، إنما العكس، أي قول ما نريده. فعلى سبيل المثال، يتحدث الاقتراح الذي تتضمنه الوثيقة الصادرة عن "مساواة" عن إدارة ذاتية للجهاز التعليمي والثقافي وإدارة ذاتية للأوقاف الإسلامية. أما بالنسبة لهم فالإدارة الذاتية تعني الكارثة. ولكن الإدارة على هذه الطريقة معمول بها في النظام الحريدي، وعليه فنحن لا نأتي بأي جديد. وثمة شيء آخر يهم الإشارة إليه وهو أن الأوقاف المسيحية يقوم على إدارتها المسيحيون، والأمر نفسه ينطبق على الدروز أيضا، علما بأن شؤون الديانة اليهودية يتم تسييرها هي الأخرى من خلال نظام للإدارة الذاتية، فيما بقيت الأوقاف الإسلامية هي الوحيدة التي تفتقر إلى أي سلطة إدارية، إذ وحدهم المسلمون يمنعون من إدارة ممتلكاتهم الدينية ، وذلك بهدف مواصلة السيطرة على أملاك المؤسسات الدينية الإسلامية. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أننا لو اقترحنا اليوم على مدير الدائرة العربية في وزارة المعارف أو على المعلمين إدارة الجهاز التعليمي ذاتيا، سيرفضون، بل من الممكن أن يرفضوا مقترحاتنا جملة وتفصيلا، قائلين: "أنظروا إلى ما يحدث في السلطات المحلية!"، لذلك لا يظنن أحد بأن الأمور داخل المجتمع العربي سهلة أو بسيطة، فنحن على وعي كامل بالخلافات القائمة في الشارع العربي الذي يدور فيه جدل حول هذا الموضوع، أي أن القبول بهذا الاقتراح ليس أمرا بديهيا.
لقد أخفقت محاولة المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إملاء تصوره المستقبلي على العرب. لقد دعوا أكاديميين من العرب قالوا في النهاية: "لن نوقّع على مثل ذلك". إن مشكلة المعهد الإسرائيلي للديمقراطية تكمن في التقدير الذاتي لأعضائه الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على المجتمع بأسره وعلى الوسط العربي بكامله. إن أعضاء المعهد يعتقدون بأن من حقهم اتخاذ القرارات نيابة عن الشعبين وعن المجتمعين، ولكن باسم من يتحدثون؟ هل يتحدثون باسم اليهود؟ إن ثمة ما يزيد عن عشرة معاهد بحثية أخرى ترفض دستور المعهد الإسرائيلي للديمقراطية ولا تقبله إطلاقا.
من يرفض مقترحنا؟ فقط جهتان هما المعهد الإسرائيلي للديمقراطية واليمين الفاشي، وحدهما هاتان الجهتان ترفضان أن نقوم بمبادرة أو نقدم اقتراحا ما، ولهما في ذلك مؤيدون سذج... أما من يحتكم إلى الموضوعية والعقلانية فمفروض أن يتبنى موقف العرب، كونه موقفا منطقيا جدا. كيف يمكن للدولة أن تتبنى دستورا لا يشارك فيه العرب؟ إذا حدث مثل ذلك فسيكون إملاءً تفرضه الأكثرية المهيمنة على الأقلية، مما سيجعل الدستور قضية مختلفا عليها لسنين وسنين، وهي المرحلة الخطرة التي نتحدث عنها، فمن الضروري الحيلولة دون تدهور يصل حد الصدام بين المجتمعَين.
ماذا لو أصر الشارع اليهودي بشتى تياراته على رفض مبادرتكم؟
ترفض الحكومة الإسرائيلية تطبيق استنتاجات تقرير لجنة أور، ما يزيد من حدة التوتر بين العرب واليهود لتسود حالة من التصاعد من بين مظاهرها قضية عزمي بشارة. ثمة 34 مواطنا عربيا قتلوا خلال السنوات الست الأخيرة، حيث أصبحنا أمام موقف يعلن فيه الشيخ رائد صلاح، رئيس الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، عن انتفاضة ثالثة، وهي أول مرة تصدر عن زعيم من زعماء العرب مواطني دولة إسرائيل مثل هذه العبارات. ما معنى ذلك؟ إننا نمر بأزمة حادة في العلاقات بين الجانبين ونحن مسؤولون عن منع الانفجار، فنحن الذين ندفع الثمن. إذا كانت الدولة فرضت علينا دستورا فليكن، وهذا هو الوضع الناشئ عن العمل بنظام فرض القوانين في الكنيست... إذا كانت الدولة ترغب في فرض التجنيد الإجباري على العرب، فإني لا أستطيع القيام بذلك، علما بأن كفاحي كفاح سلبي سلمي... ومع ذلك فالدولة تعامل العرب معاملة غير سلمية، حيث تدمر الكثير من المنازل في النقب... إن هذا التوتر سيزول لو تمكنا من إعادة بناء علاقتنا، ويمثل تصورنا المستقبلي بيانا يدعو إلى بناء العلاقة بين الأقلية والأغلبية. إن احتياجاتنا تختلف عن احتياجاتهم، فهم مهاجرون، أما نحن فلسنا مهاجرين. إنهم يريدوننا أن نعترف باستيعاب مهاجريهم، ولكننا لنا احتياجات أخرى تتجاوز قضاياهم، ومن هنا علينا التوصل إلى اتفاق حول نوع العلاقات التي ستسود بيننا.
هل أن هذه الوثيقة بمثابة "تصفية حساب" تأريخية مع اليهود في البلاد؟
أعتقد أن هذه الورقة بداية الحوار حول بناء مستقبل مبني على التأريخ وليس على العدم. قد يكون هذا التصور سبق زمانه، وإن وثيقة التصور ليست حسابا تأريخيا. وقد يكونون في حاجة إلى بعض التذكير بأنهم يقيمون دولة على أنقاض قرى أبناء شعبنا ومدنهم. يبدو أن المجتمع العربي في إسرائيل يحتاج إلى وضع إستراتيجية تبيّن مأساتنا وجذورها، ليصل موقفنا بهذه الصيغة إلى الشارع اليهودي، وذلك من أجل بناء مستقبل يقوم على فهم الواقع. يظهر أن ثمة من لا يدركون أن اليهود أنشئوا وطنا للمهاجرين على حساب شعب لحق به الدمار. إن الشعب الفلسطيني يقبل بتقاسم وطنه مع اليهود، ونحن اليوم في مرحلة التسوية التأريخية بين العالم العربي ككل والشعب الفلسطيني بخاصة، وبين اليهود... علما أن هذه المرحلة من التسوية التأريخية تستدعي اعتراف اليهود بالحقيقة.
كيف يعقل أن تكون أنت تعتبرها مرحلة من مراحل التسوية التأريخية في حين يعتبر معظم اليهود هذه الوثائق تصورا مناهضا لليهودية؟ ما السبب في كون الطرفين ينظران إلى الورقة ذاتها من وجهتي نظر متناقضتين إلى هذا الحد؟
يبدو أن هذه المبادرة قد استبقت التسوية التأريخية، ففي جنوب أفريقيا، مثلا، شكلت مرحلة التسوية التأريخية بين البيض والسود مرحلة بناء مستقبل سليم. ويظهر أن خطوة وضع التصورات المستقبلية ليست ممكنة بغياب التسوية التأريخية والتسامح. من الأهمية بمكان أن يسامح الفلسطيني اليهودي على مأساته كمرحلة من مراحل تكوين وضع جديد. إنهم فصلونا عن بعضنا البعض، أليس كذلك؟ لقد بنوا الأسوار بين العائلات في باقة الغربية وباقة الشرقية وفي برطعة الغربية وبرطعة الشرقية. لقد أصبحنا لاجئين ومقيمين غير مواطنين في العالم العربي، حيث يحاول كل نظام عربي متعفن السيطرة على الفلسطينيين. ماذا عنا نحن، إذا؟ أليس لنا رأي في لبنان وفي مصر؟ ألا نسمع؟ ألا نقرأ؟ ألسنا مطلعين على أحدث التطورات؟ إن قصة شعبنا مأساة، وأمام هذه المأساة، ومن منطلق توقنا إلى مستقبل أفضل، علينا التحدث بصراحة وشفافية، وعلينا أن نصارح أنفسنا في المقام الأول. فمن يعتقد بأن نظام الحكم السوري نظام ديمقراطي ويطلب نظاما ديمقراطيا في إسرائيل يخدع نفسه، فسوريا ليست دولة ديمقراطية، والذين يغازلون سوريا من أبناء شعبنا يكونون قد وقعوا في حب نظام ينتهك حقوق الإنسان بشكل سافر. إن الأمر لا يتعلق الآن بأمن الدولة، وإنما بنوع العلاقة التي نريد تكوينها بالعالم العربي، فهل ستكون علاقة تقوم على النفاق؟ إذا كنت أطلب عدم التعرض لحقوق الإنسان في إسرائيل، فكيف لي أن أسلم بانتهاك حقوق الإنسان في سوريا؟
إنني أتمتع بمركز يتيح لي أن أطلب من سلطات الدول العربية التوقف عن انتهاك حقوق الإنسان بحق أبناء شعوبها، أما إسرائيل فليس لها دور ولا سلطة في الحديث والنقاش والجدال مع العالم العربي حول مشاكله الداخلية. إن مركزنا يستوجب إعادة التنظيم، لأننا نحن الفلسطينيين لنا أهمية كبرى ووضع مرموق جدا في أنحاء العالم العربي.
هل تعتقد بأن وثيقة التصور المستقبلي توفر حلا لجميع المشاكل التي يعاني منها العرب مواطنو دولة إسرائيل، وبعبارة أخرى هل استطاعت الوثيقة التطرق إلى جميع المشاكل الأساسية للمجتمع العربي؟ هل أن مضمونها قابل للتغيير مستقبلا؟
إن التصور المستقبلي والدستور المتساوي ورقتا موقف معروضتان للنقاش العام. إنهما مجرد وثيقة وتصورات أولية لا خطة عمل، وإذا استطعنا إقامة أيام دراسية وندوات نبحث فيها كل وثيقة على حدة، وإذا توصلنا إلى إمكان إشراك جميع الأحزاب السياسية العربية والتيارات الإيديولوجية المختلفة في وضع التصور المستقبلي، سنكون حققنا الشيء الكثير. أما لو استطعنا تأليف ورقة يكون وراءها إجماع، ثم تعنون إلى الإسرائيليين اليهود، سنكون حققنا إنجازا عظيما.
ما هي الآليات الواجب عليكم اتّباعها كسبيل إلى تطبيق التوصيات التي يتضمنها التصور المستقبلي، ومتى تتوصلون إلى تلك المرحلة؟
فعلا هناك توصيات، ولكنها توصيات على المستوى الفكري، أي إنها تحتاج لكي تطبق إلى اقتصاد قوي جدا. إنه مشروع ضخم يتكلف الملايين من الشواقل. لنأخذ مثلا مخطط "تاما 35" (هو الخارطة الهيكلية القطرية التي تم إعلانها والموافقة عليها سنة 2005 من قبل المجلس القطري للتخطيط والبناء، والخطة معدة لأغراض التطوير والبناء مع مراعاة الأمور المتعلقة بسلامة التوزع السكاني في الدولة، وتنتهي مهلة تنفيذها بنهاية العام 2020، ولكنها واجهت وما زالت تواجه الكثير من المعارضات والشكاوى من عدم فعاليتها – أ.غ.) الذي تم صرف أموال طائلة عليه حتى كاد أصحاب الخطة يصابون باليأس إذ مرت خمس سنوات قبل أن يتمكنوا من تقديمه إلى الكنيست والحكومة للموافقة عليه. إن "تاما 35" لها مستويان نظري وتطبيقي، علما بأن العرب لم يتوصلوا حتى إلى مرحلة الخرائط والتطبيق، فنحن ما زلنا في مرحلة قمنا ضمنها بهرض الشق الفكري للمشروع والذي يحتاج إلى المناقشة، ويجب تجاوز هذا المستوى وصولا إلى سبل التنفيذ الفعلي.
على أن البدء بتطبيق التوصيات مرتبط بشرطين، أولهما التوصل إلى اتفاق على الصعيد الفكري بين قيادات المجتمع العربي، والآخر تعبئة الموارد اللازمة من داخل المجتمع العربي وصولا إلى المرحلة العملية.
هل ترى أنه في المرحلة الحالية ما زالت الأقلية العربية في حاجة للسلطة المهيمنة لتلقّي الموارد اللازمة؟
المفروض في الدولة العادية أن تخصص للجمهور العربي الأموال قائلة له: ما تحلم فيه قم بتحقيقه! إن الدول التي تشرك مواطنيها في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم تخصص الأموال لعملية التنفيذ، والدولة التي تسير على هذا النهج هي الدولة التي تحترم نفسها. أما دولة إسرائيل فلا تستثمر اليوم شيئا في وسطنا العربي، لتخسر، مثلا، ما يزيد عن 6.2 مليار شيقل جراء عدم إلحاق النساء العربيات بسوق العمل، كما أن الفقر الذي يسود الوسط العربي يجعلها تخسر عشرات المليارات من الدولارات، والأوضاع الحالية لا تحمل أي رؤيا لمستقبل المجتمع العربي، والذي يخسر جراء غياب الرؤيا المستقبلية ليس نحن وحسب، بل الدولة ذاتها. لو لم تكن الدولة العبرية تعاملنا معاملة المجتمع المحكوم، لكنا أوجدنا حلولا ابتكارية، ولكن دولة إسرائيل ترفض قطعيا إقدامنا على إقامة جامعة عربية، علما بأن اقتراحا بإقامة جامعة عربية كان قد قدم منذ سنة 1981، فالإحصاءات تشير إلى أن نحو 4000 طالب جامعي فلسطيني من إسرائيل يدرسون اليوم في الأردن وأن كلا من هؤلاء يدفع 10000 دينار أردني! إحسب المبلغ بالشواقل! أليس جديرا، ولو من الناحية الأمنية، تحاشي سفر الشباب العرب إلى الأردن؟ هل لدى الدولة أدنى فكرة فيمن يتحدث معه هؤلاء الشباب من ممثلي الجهات الأجنبية؟ ها هو عزمي بشارة يصبح الآن فدائيا، علما بأن عزمي بشارة عضو كنيست يخشى على مركزه، ولكن لِمَ وضع الناس أمام إغراء الانتماء إلى منظمات شتى مشبوهة بقضايا الإرهاب؟! لا فائدة من فرض القيود وتأخير تطور المجتمع العربي الذي يعتبر شريحة اجتماعية قادرة على تحقيق الكثير من الدخل والمساهمة في نمو الدولة.
هل لك إيضاح حيوية إقامة الجامعة العربية؟
لو أن الجامعات الإسرائيلية استجابت لاحتياجات المجتمع العربي، لما كنا نطلب إقامة جامعة. لماذا يتوجب علي دراسة علم الاجتماع باللغة العبرية؟ أين علماء الاجتماع العرب الذين يمارسون البحث العلمي؟ أنظر إلى الباحثين العرب لترى بأية لغة يكتبون. إنك لو طلبت من أي منهم وضع برامج تعليمية مستقبلية للمجتمع العربي، لوجدت أنه وضع برنامجه بالعبرية الجيدة، ولكن بالعربية الركيكة.
نشرت الصحافة الإسرائيلية بعض الاستطلاعات التي تشير إلى أن نسبة ضئيلة فقط من المواطنين العرب طالعوا التصور المستقبلي. إلا ينقص ذلك من مصداقية الوثيقة أو من الثقة التي تتمتع بها في الجمهور المستهدف؟
إنه ادعاء هش، لأن الوثيقة تم توزيعها بآلاف النسخ وما زلنا في ذروة عملية التوزيع! ليس هذا الإحصاء سوى محاولة للاشرعنة مسعانا. إنها مسيرة طويلة لا تسهيلات فيها! ما معنى الاستطلاعات؟ وماذا عن "مبادرة جنيف"؟ من قال إن المواطنين مطلعون عليها؟ علما بأن الأوروبيين وظفوا ما يقارب الثلاثة ملايين دولار في إخراجها... ومقارنة بذلك فإن عددا أكبر من الأشخاص في الشارعين العربي واليهودي اطلع فعلا على تصورنا المستقبلي الذي هو ثمرة عمل استغرق سنتين، وذلك بثمن زهيد لم يبلغ المئة ألف دولار.
لماذا يتحدث التصور المستقبلي عن "الاستقلال" بمعنى انعزال الأقلية عن الجانب المهيمن، وعن المجتمع اليهودي ككل؟
إنه سؤال غير مصيب، فالناس لهم حق في ممارسة دينهم وثقافتهم وتربيتهم ولغتهم. لماذا نحرم من حق ممارسة الحياة الثقافية المستقلة والتربية المستقلة والحياة الدينية المستقلة؟ لماذا يجوز لليهود إدارة مؤسساتهم الثقافية؟ لماذا لا يتم مراقبتهم، في حين تقدم لنا أذن الجمل. بعبارة أخرى، نحن لا نتلقى الجمل، والحديث لا يدور عن حق لا يأخذه الآخرون، فهو حق أعطي للوسط اليهودي من زمان. من يراقب طريقة إدارة الحريديم لمؤسساتهم الدينية؟ إننا لنا الحق في الإدارة الذاتية، أما مقولات الانعزال فليست سوى محاولات لنزع الشرعية عنا. إننا في كل ما يتعلق بالمواضيع الاجتماعية الاقتصادية لمجتمعنا نتخذ موقف الاندماج... فالاقتصاد اندماجي لأنه لا وجود للاستقلال الاقتصادي. أما ثقافتنا وديانتنا فلا يمكن السيطرة عليهما. إنه من المستحيل، فدعونا ندير ذاتنا بدل أن تفقدوا السيطرة على مجتمعنا. لقد منح القادمون الجدد الروس الذين وصلوا منذ فترة وجيزة محطة تلفزيونية، فلماذا لا تقولون عن الروس إنهم انعزاليون؟َ! وإذا كان مثل هذا الاتهام يوجه إليهم، إلا أنه لا يؤثر سلبا على الوسائل الكثيرة التي يحصلون عليها لممارسة استقلالهم الثقافي. وفي المقابل، فإن الوسط العربي يقوم بإدارة الكثير من مجالات حياته اليومية بشكل شبه مستقل. أليس إدارة السلطات المحلية للمدارس إدارة ذاتية؟ وما دمنا ندير ذاتنا بهدوء فلا بأس، أما في اللحظة التي نقدم فيها على صياغة طلباتنا وحقوقنا، فإن شيطان اللاشرعنة يعود للظهور.
هل يخشون أن يصبح العرب شركاء في السياسة الخارجية والشؤون الأمنية للدولة؟ إننا لم نكتب شيئا في تصورنا المستقبلي عن أكثر المواضيع حساسية، ولم نأت على ذكر السياسة الخارجية والأمن، حيث يقتصر مطلبنا الوحيد على السلام، لا على تعيين رئيس أركان من العرب. كما لم نتناول بالنقاش القضايا الشائكة باستثناء قضية الهجرة إلى البلاد.
ما هي وسائل حل "عقدة الثنائية" التي يعاني منها الفلسطينيون العرب مواطنو دولة إسرائيل ؟
لسنا نعاني من "عقدة الثنائية". قد يكون غيرنا يعاني من "عقدة الثنائية". إن واقعنا ثنائي، فهو واقع كونك مواطنا عربيا في دولة يهودية تحيط بها أغلبية عربية في المنطقة. اليهود هم الذين يتسم وضعهم بالصعوبة، فهم خمسة ملايين أنشئوا غيتو داخل المنطقة العربية. لقد مضت علينا 59 سنة وأنت ما زلت تواصل بناء الجدران؟ أي أمن هو بعد 59 سنة، إذا كانوا يعتزمون بناء الجدران حتى للعرب الإسرائيليين؟ المطلوب من الإسرائيليين اليهود أن يستقروا على رأي: "هل تريدون العيش في الشرق الأوسط العربي أم في أوروبا؟ لأن أوروبا فيها أوروبيون، لكن الشرق الأوسط فيه عرب". أما نحن فقد قمنا بواجبنا، فنحن نعرف العبرية، ونعرف ما يريدون، ولا نقول لهم "انصرفوا وعودوا إلى بلدانكم" وندرك الجرائم المروعة التي اقترفها النازيون بحق اليهود، بل نحن ندرك تأريخ اليهود أكثر مما يدركونه هم في بعض النقاط، لأنني على الأقل لا أقول مثل بعض اليهود الذين يشتمون بعضهم بعضا فيقولون: "من المؤسف ألا يكون النازيون قد قضوا عليكم!" ولا يمكن أن أتفوه بمثل ذلك، ولكن اليهود الشرقيين يقولون هذه الجملة لليهود الأوروبيين. إنني أفهم تأريخهم أكثر مما يفهمه القادم الجديد الذي وصل قبل عشر سنوات! وأعتبرها ميزة لا عيبا. إنني أجيد قراءة وكتابة ثلاث لغات، هي العربية والعبرية والإنجليزية. على اليهود أن يتعلموا كيف يتعايشون مع البيئة. إذا كان اليهود اليوم ينوون "التخلص" من عرب المنطقة، فإنهم لن يعيشوا يوما في منطقة طبيعية... ما المساحة التي تمتد عليها دولة إسرائيل؟ حوالي ربع مساحة الأردن... نحن "الداخل" من المنطقة العربية، وإذا فشلوا في تكوين علاقة طبيعية معنا، فكيف يكونون علاقة طبيعية مع العالم العربي؟ يكتب غلعاد شارون المفروض أن يدخل السجن قائلا إن العرب الذين بقوا في مناطق دولة إسرائيل بعد النكبة يمثلون خطأ تأريخيا مصيريا. إننا من يحميكم، وانتم تستخدموننا دروعا، ففي الحرب الأخيرة خرج يونا ياهف ليطلب منا إلا نغادر حيفا! إنهم هم الذين يحاربون المنطقة، وليس نحن، فمنذ 1948 إلى يومنا هذا لم يطلق المواطنون العرب ولو رصاصة واحدة.
إذا كان العرب مواطنو دولة إسرائيل قد تبنوا خطاب العالم العربي والإسلامي، كيف يمكنهم التوصل إلى علاقة سليمة مع مؤسسات الدولة؟
هذا ليس صحيحا. إننا نلم إلماما تاما بأنواع الخطاب العربي والإسلامي، لأننا نتعرض بشكل لا بأس به لأي خطاب يدور في العالم العربي، ومثل أية فئة أخرى تتأثر بمن يحيطون به، نشكل مزيجا من كافة أنواع الخطاب، ليكون خطابنا أكثر الخطابات عقلانية في المنطقة العربية. إننا لا نريد إلقاء اليهود في البحر، ولا نريد مواجهتهم لا بالتملق ولا بالنفاق. إن خطابنا يحترم حق اليهود وحق الفلسطينيين، وهو ليس خطاب من يعيش في مخيم للاجئين في الأردن، وقد كنت هناك، حيث يسألك الناس: "هل يمكن التعايش مع اليهود؟ هل أنت مستعد لذلك؟". ثمة أناس في العالم العربي لا يعلمون أن فيه يهودا، أما نحن فنتاج لتعدد الطبقات في المنطقة، وإننا ندرك ما تفعله حماس وما يفعله أبو مازن... وخطابنا مدرك لكل ما يدور على الساحة السياسية لمنطقتنا. ثمة من قائل بأن خطابنا نتيجة من نتائج حرب لبنان، وإذا كان ذلك صحيحا، فكيف يمكن تفسير أننا باشرنا العمل على هذا المشروع قبل عامين ونصف من نشوب الحرب؟
هل أننا تبنينا خطاب أحمدي نجاد؟ لا، فنحن نتفهم مأساة اليهود بعد النازية، ولماذا يجادل أحمدي نجاد أصلا؟ لماذا ينكر وقوع المحرقة؟ لماذا؟ هل أنت المسؤول عن إبادة اليهود؟ إنه غبي. ما دخلك في المحرقة؟ لماذا ينبغي على العرب والمسلمين إنكار المحرقة؟
هل هناك داع لأن يبق العرب مواطنو إسرائيل قلقين من خطاب الترانسفير، أم إنها نظرية بعيدة عن الواقع؟
ليس في الأمر مبالغة أو مخاوف في غير محلها، فالساحة السياسية الإسرائيلية في حالة دائمة من الهوج السياسي القوي والمتقلب. لا أحد كان يتصور أن حيفا سيتم قصفها خلال حرب من الحروب! فحيفا لم تقصف حتى في 1948. أما في الحرب الأخيرة فقد حدث ذلك ولم تقم بذلك دولة، وإنما منظمة. تخيل الأزمة التي وجدت إسرائيل نفسها فيها... في 1949 وقعوا على اتفاقيات رودس فأخذوا المثلث بأكمله، واليوم يندمون على ذلك؟ لقد كان هو مطلبهم، وتحقق فعلا. وبعد اتفاقيات رودس بسبع سنوات حاولوا تشريد سكان منطقة المثلث وطردهم. لماذا نفذت مجزرة في كفر قاسم عام 1956؟ هل كان خطأ؟ لا، بل كان الأمر مخططا له لقلب اتفاقيات رودس رأسا على عقب. فإذا نشبت حرب مع إيران، لا سمح الله، ماذا يضمن لنا أن ليبرمان وجميع رفاقه لن يتصدوا لنا باتخاذ وسائل خطيرة؟ لا يزال التشريد محفورا في ذاكرتنا، فتخيل الآن نشوب حرب مع إيران. حين طلب منا حسن نصر الله مغادرة حيفا لأنه يعتزم قصفها، أقمنا الدنيا ولم نقعدها، لأن العرب الذين خرجوا من حيفا قبل ستين سنة لبضعة أيام، لم يعودوا إلى يومنا هذا. وقد رفضنا نصيحته رغم أن بيوتنا ليست فيها ملاجئ مثل بيوت اليهود. لقد رفضنا الخروج وطلب منا اليهود ألا نخرج. ليس لدينا ضمان ضد المزاج المتقلب، وإني أوجه إليك سؤالا: هل اللوم علينا؟ إنهم هم من لديهم وزير يدعو إلى الترانسفير. خلاصة القول إن اليهود أصحاب سجل حافل بالجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، سواء العرب المقيمين هنا في إسرائيل ، أو العرب المقيمين في المناطق وفي غزة، وإن تسلسل الأحداث يثبت أننا لا نملك ضمانة لمستقبل واعد! أليس في ذلك ما يبعث على الخوف؟ أليس فيه ما يستدعي التفكير؟
هل يجوز النظر إلى وثيقة التصور المستقبلي على أنها نوع من رد الفعل الدفاعي أمام اتهام العرب الإسرائيليين بأنهم يمثلون تهديدا استراتيجيا؟
يمكن القول إن عضو الكنيست ليبرمان وأرنون سوفير والأصوات الداعية إلى الترانسفير هي بمثابة المحفزات، ولكن بغض النظر عما يقولون، تقع على عواتقنا مسؤولية تكوين مستقبل مختلف عما يحاولون إملاءه علينا. إن المستقبل الذي يصوره ليبرمان وسوفير مستقبل دام... ومن الواجب التحذير بأن من يدعو إلى ترحيل العرب من دولة إسرائيل يقوم بتعبئتنا وبدفعنا إلى كفاح مسلح ضمانا لمستقبلنا ومستقبل أولادنا. كنا إلى اليوم أكثر فئة سكونا، حيث لم نطلق النار خلال الحروب. أما من يريد جعلك لاجئا فهو يحاول إجبارك على مكافحته، وهم يعلمون بأن ليس ثمة ترانسفير بغير عنف، فلقد حاول ذلك منذ 1948 وحتى اليوم من سبق ليبرمان وفاقه حكمة، ولكنهم لم يتمكنوا من ترحيلنا عن وطننا، ولن يتمكنوا مستقبلا. إنهم يعلنون الحرب علينا، ومن المهم التنويه بأن من يكافح الترانسفير لن يكافحه بالوثائق، والمبادر إليه عليه توقع المقاومة.
هل ساهم أعضاء الكنيست العرب، وبالأخص منهم عزمي بشارة، في بلورة خطاب لحقوق الجماعة؟
لا دخل لعزمي بشارة في تطوير المفاهيم والمصطلحات، فهو ينادي بدولة كل مواطنيها، بينما نحن في حاجة إلى تصور جماعي لكافة العرب الفلسطينيين من مواطني دولة إسرائيل، وليس الأحزاب السياسية فحسب... إن الأحزاب في حاجة إلى تصور سياسي ولها تصوراتها، حيث يؤيد من يريد دولة كل مواطنيها حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أما من يريد الشيوعية ومبدأ الدولتين لشعبين فيؤيد الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة – حداش، والذي يؤمن بالحركة الإسلامية فليصوت لها. ثمة مواقف تم بلورتها بعناية، ولكننا نتحدث عن تصور مستقبلي يتجاوز التصورات الحزبية.
هل تعتقد بأنه ما زال في الإمكان إعادة الثقة بين الطرفين اليهودي والعربي في دولة إسرائيل؟
إننا لم نفعل ببعضنا البعض ما فعله الألمان باليهود، وإذا كان اليهود والألمان استطاعوا تكوين علاقة فيما بينهما مبنية على مواجهة التأريخ وعلى بناء مستقبل جديد، فإني أؤمن بأننا سنتمكن من إيجاد علاقة مبنية على استخلاص العبر من التجربة التأريخية، وثمة ما يؤهل هذا المكان ليكون جنة عدن، فإذا صدق عزمنا، فهي ليست أسطورة.












